أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

160

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

معنى المواجهة والمعاينة ، والجماعة صنفا صنفا ، لأن المراد بالعذاب الجنس ، وسيأتي له مزيد بيان « 1 » . و « قُبُلًا » نصب على الحال كما مر ، من « كُلَّ » وإن كان نكرة لعمومه وإضافته . وتقدم أنه في أحد أوجهه ينصب على الظرف عند المبرد . وأما قراءة الحسن فمخففة من المضموم ، وقراءة أبيّ بالأصل ، وهو المفرد . وأما قراءة طلحة فهو ظرف مقطوع عن الإضافة ، معناه : أو تأتي باللّه والملائكة قبله . ولكن كان ينبغي أن يبنى ، لأن الإضافة مرادة . وقوله : « ما كانُوا » جواب « لَوْ » ، وتقدم أنه إذا كان منفيا امتنعت اللام « 2 » . وقال الحوفي : التقدير : لما كانوا ، حذفت اللام ، وهي مرادة » وهذا ليس بجيد ، لأن الجواب المنفي ب « ما » يقل دخولها ، بل لا يجوز عند بعضهم ، والمنفي ب « لم » ممتنع البتة . وهذه اللام لام الجحود جارة للمصدر المؤول من « أَنْ » والمنصوب بها ، وقد تقدم « 3 » تحقيق هذا كله بعون اللّه تعالى . قوله : إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يجوز أن يكون متصلا ، أي : ما كانوا ليؤمنوا في سائر الأحوال إلّا في حال مشيئة اللّه ، أو في سائر الأزمان إلّا في زمان مشيئته . وقيل : إنّ استثناء من علة عامة ، أي : ما كانوا ليؤمنوا لشيء من الأشياء إلّا لمشيئة اللّه تعالى . والثاني : أنه يكون منقطعا ، نقل ذلك الحوفي وأبو البقاء ، واستبعده الشيخ « 4 » . قوله : وَكَذلِكَ . الكاف في محل نصب نعتا لمصدر محذوف ، فقدره الزمخشري : « كما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك » . وقال الواحدي : « وَكَذلِكَ » منسوق على قوله : « كَذلِكَ زَيَّنَّا » أي : كما فعلنا ذلك ، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا ، ثم قال : وقيل : معناه : جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء ، فيكون قوله : « وَكَذلِكَ » عطفا على معنى ما تقدم من الكلام ، وما تقدم يدل على معناه ، على أنه جعل له أعداء » . و « جعل » يتعدى لاثنين ، بمعنى صيّر . وأعرب الزمخشري ، وأبو البقاء ، والحوفي هنا نحو إعرابهم في قوله تعالى : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ « 5 » ، فيكون المفعول الأول « شَياطِينَ الْإِنْسِ » ، والثاني : « عَدُوًّا » ، و « لِكُلِّ » حال من « عَدُوًّا » ، لأنه صفته في الأصل ، أو متعلق بالجعل قبله . ويجوز أن يكون المفعول الأول « عَدُوًّا » ، و « لِكُلِّ » هو الثاني قدم ، و « شَياطِينَ » بدل من المفعول الأول ، والإضافة في « شَياطِينَ الْإِنْسِ » تحتمل أن تكون من باب إضافة الصفة لموصوفها ، والأصل : الإنس والجن الشياطين ، نحو : جرد قطيفة ، ورجحت بأن المقصود التسلي والائتناس بمن سبق من الأنبياء ، إذا كان في أممهم من يعاديهم ، كما في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ويحتمل أن يكون من الإضافة التي بمعنى اللام ، وليس من باب إضافة صفة لموصوف ، والمعنى : الشياطين التي للإنس ، والشياطين التي للجن ، فإنّ إبليس قسم جنده قسمين : قسم متسلط على الإنس ، وآخر على الجنّ ، كذا جاء في التفسير . ووقع : « عَدُوًّا » مفعولا ثانيا ل « شَياطِينَ » على أحد الإعرابين بلفظ الإفراد ، لأنه يكتفي به في ذلك ، وتقدم شواهده « 6 » ، ومنه : 2044 - إذا أنا لم أنفع صديقي بودّه * فإنّ عدوّي لم يضرّهم بغضي « 7 » فأعاد الضمير من « يضرّهم » على « عدوّ » ، فدل على جمعيتهم . قوله : « يُوحِي » يحتمل أن يكون مستأنفا ، أخبر عنهم بذلك ، وأن يكون حالا من « شَياطِينَ » ، وأن يكون

--> ( 1 ) في آية رقم ( 26 ) من سورة يوسف . ( 2 ) عند آية ( 20 ) من سورة البقرة . ( 3 ) عند آية ( 143 ) من سورة البقرة . ( 4 ) انظر البحر ( 4 / 206 ) . ( 5 ) سورة الأنعام ، آية ( 100 ) . ( 6 ) انظر آية رقم ( 36 ) من سورة البقرة . ( 7 ) انظر البيت في البحر ( 4 / 207 ) ، الرازي ( 13 / 154 ) .